لم يضع قانون العفو العام اللبناني رقم 70 الصادر في 4 أيلول 2026 جميع الجرائم ضمن نطاق واحد، ولم يجعل الاستفادة من العفو نتيجة تلقائية لمجرد أن الفعل ارتُكب قبل الأول من آذار 2026. فقد استثنى صراحةً مجموعة من الجرائم التي تمسّ السلامة الجسدية والحرية والكرامة الإنسانية، وفي مقدمتها الاغتصاب وسفاح القربى والاتجار بالأشخاص والعنف الأسري والاعتداء الجنسي على القُصّر، إلى جانب جرائم التعذيب والاختفاء القسري.
وتكتسب هذه الاستثناءات أهمية خاصة بعد صدور قرار المجلس الدستوري رقم 12 في 12 تشرين الأول 2026، الذي أكد أن العفو العام لا يجوز أن يمتد إلى أفعال يلتزم لبنان، بموجب الدستور والمواثيق الدولية، بملاحقتها والمعاقبة عليها، ولا سيما الجرائم الدولية الخطيرة.
لكن ما الذي يعنيه هذا الاستثناء عمليًا؟ هل يشمل كل فعل يمكن وصفه بأنه اعتداء جنسي أو عنف أسري؟ وهل يكفي أن يُتهم شخص بالاتجار بالأشخاص حتى يُحسم مصير ملفه؟ وما الفرق بين الجرائم المستثناة في المادة الثانية والظروف المشددة التي تناولتها المادة الثالثة عند تخفيض العقوبات؟
الإجابة تقتضي التمييز بين ثلاثة أمور: الجريمة التي أخرجها القانون من العفو، والتكييف القانوني للوقائع في كل ملف، والأثر الذي يترتب على العفو أو على عدم شموله للجريمة.
أولًا: المادة الثانية استثنت جرائم محددة لا يجوز إدخالها في العفو
تنص الفقرة الثانية عشرة من المادة الثانية على استثناء جرائم الاغتصاب وسفاح القربى والاتجار بالبشر والعنف الأسري والاعتداء الجنسي على القُصّر، كما تشمل أحكام قانون معاقبة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة رقم 65/2017، وقانون المفقودين والمخفيين قسرًا رقم 105/2018.
وتختلف هذه الجرائم من حيث عناصرها القانونية وطبيعة الأفعال التي تندرج ضمن كل منها، لكن المشرّع جمعها ضمن فئة مستثناة من العفو العام.
والنتيجة أن هذه الجرائم لا تستفيد من العفو لمجرد أنها ارتُكبت قبل التاريخ الذي حدده القانون. فالتاريخ وحده لا يكفي، بل يجب أولًا التحقق من أن الفعل لا يدخل ضمن إحدى الفئات المستثناة.
وفي الوقت نفسه، لا يجوز تفسير هذا البند على نحو يدمج الجرائم المختلفة في وصف واحد. فالاغتصاب ليس مرادفًا لكل اعتداء جنسي، والاتجار بالأشخاص ليس مجرد مخالفة تتعلق بحرية التنقل أو العمل، والعنف الأسري لا يقتصر بالضرورة على نوع واحد من الأفعال. لكل جريمة عناصرها وشروطها القانونية، ويجب تحديدها وفق النصوص التي تحكمها.
كذلك، فإن ورود جريمة ضمن قائمة الاستثناءات لا يعني أن كل شخص ملاحق بها يُعدّ مرتكبًا لها. فالاستثناء يحدد نطاق العفو، أما ثبوت المسؤولية الجزائية فيبقى خاضعًا للأصول القضائية والأدلة والضمانات القانونية.
ثانيًا: الاغتصاب والاعتداء الجنسي على القُصّر
أدرج القانون الاغتصاب والاعتداء الجنسي على القُصّر ضمن الجرائم المستثناة صراحةً من العفو. ويعني ذلك أن هذه الجرائم لا تدخل في نطاق العفو لمجرد تحقق شرطها الزمني، بل تبقى خاضعة للملاحقة وفق القوانين النافذة.
ومن الضروري هنا التمييز بين هذا الاستثناء وبين ما ورد في المادة الثالثة من القانون. فالمادة الثانية تحدد الجرائم التي لا يشملها العفو العام، في حين تتناول المادة الثالثة تخفيض العقوبات في الجرائم التي لم يشملها العفو، وفق شروطها.
وقد تناولت الفقرة الأخيرة من المادة الثالثة جرائم القتل القصدي أو العمدي المقترنة بظروف مشددة، من بينها الاغتصاب أو الاعتداء الجنسي. وفي هذه الحالات، ربط القانون الاستفادة من تخفيض العقوبة بإسقاط الحق الشخصي، ضمن نطاق محدد.
لكن هذا الحكم لا يعني أن جميع جرائم الاعتداء الجنسي تخضع تلقائيًا لشروط المادة الثالثة. فالشرط المتعلق بإسقاط الحق الشخصي ورد في سياق جرائم القتل القصدي أو العمدي المقترنة بالظروف المشددة المحددة، وليس بوصفه قاعدة عامة تشمل كل جريمة جنسية.
وقد أوضح المجلس الدستوري أن شرط إسقاط الحق الشخصي يمتد إلى جرائم القتل القصدي أو العمدي المقترنة بالظروف المشددة الواردة في الفقرة الثانية من المادة الثالثة، وكذلك إلى الأسباب المشددة المنصوص عليها في المواد 547 و548 و549 من قانون العقوبات. كما أبطل عبارة «قبل 1/3/2026» من الفقرة الأخيرة من المادة الثالثة، منعًا للإخلال بالمساواة بين المتضررين.
وهذا التوضيح مهم لأنه يمنع الخلط بين استثناء الجريمة من العفو وبين شروط تخفيض العقوبة في جرائم أخرى أو في الحالات التي تناولتها المادة الثالثة تحديدًا.
ثالثًا: سفاح القربى والعنف الأسري
استثنى القانون جرائم سفاح القربى والعنف الأسري صراحةً، ما يعني أن العفو العام لا يشملها ضمن نطاق البند الثاني عشر من المادة الثانية.
لكن ورود هذين الوصفين في النص لا يلغي ضرورة تحديد الجريمة المنطبقة على الوقائع. فالعنف الأسري قد يتخذ صورًا مختلفة، وقد تتداخل الوقائع في بعض الملفات مع جرائم أخرى ينص عليها قانون العقوبات أو قوانين خاصة. لذلك، ينبغي تحديد الفعل المنسوب إلى الشخص والنص الذي يجرّمه، بدل الاكتفاء بوصف عام للواقعة.
كما لا يصح استنتاج أن كل خلاف عائلي يشكل جريمة عنف أسري، أو أن كل واقعة عنف تخضع بالضرورة لوصف قانوني واحد. المسألة تتوقف على الوقائع والعناصر التي يشترطها النص الجزائي المنطبق.
أما من جهة أثر العفو، فالنقطة الأساسية هي أن القانون أخرج جرائم العنف الأسري وسفاح القربى من نطاقه صراحةً. ولا يجوز الالتفاف على هذا الاستثناء بمجرد إعطاء الوقائع وصفًا آخر، إذا كانت العناصر القانونية للجريمة المستثناة متوافرة.
وفي المقابل، لا يكفي استخدام وصف «العنف الأسري» في الشكوى أو في التغطية الإعلامية لحسم التكييف القانوني النهائي. فالتمييز بين الادعاء والوقائع المثبتة والحكم القضائي يبقى ضروريًا في كل ملف.
رابعًا: الاتجار بالأشخاص ليس مجرد مخالفة عادية
أدرج القانون جرائم الاتجار بالبشر ضمن الاستثناءات الصريحة. وتكتسب هذه النقطة أهمية لأن بعض الوقائع المرتبطة بالاستغلال قد تتداخل مع جرائم أخرى، كالإكراه أو الاعتداء أو الاستغلال الجنسي أو الاستغلال في العمل.
لكن لا يجوز اختزال جريمة الاتجار بالأشخاص في كل حالة استغلال أو نزاع يتعلق بالعمل أو التنقل. فتحديد ما إذا كانت الوقائع تشكل هذه الجريمة يتطلب الرجوع إلى النصوص القانونية ذات الصلة، وفحص عناصر الفعل المنسوب إلى الشخص.
وعندما تنطبق عناصر جريمة الاتجار بالأشخاص، فإن ورودها صراحةً في البند الثاني عشر يعني أنها مستثناة من العفو العام. ولا يغيّر من ذلك كون الملف لا يزال في مرحلة التحقيق أو المحاكمة، إذ نصت المادة الثانية على أن الاستثناءات تسري سواء صدرت الأحكام أم لم تصدر.
غير أن هذه العبارة لا تعني ثبوت الجرم قبل صدور الحكم، بل تعني أن نطاق الاستثناء لا يتوقف على صدور حكم مسبق. أما تحديد المسؤولية الجزائية فيبقى من اختصاص القضاء وفق الأصول القانونية.
ويجب أيضًا عدم الخلط بين الاتجار بالأشخاص وجرائم الفساد أو الجرائم المالية التي قد تتصل به في بعض الملفات. فقد تتضمن القضية الواحدة أفعالًا متعددة، لكل منها وصفها القانوني وأحكامها، وقد تنطبق على بعضها استثناءات أخرى من المادة الثانية.
خامسًا: التعذيب والمعاملة القاسية والاختفاء القسري
لم يكتفِ القانون باستثناء الجرائم الجنسية والعنف الأسري والاتجار بالأشخاص، بل أشار أيضًا إلى أحكام قانون معاقبة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة رقم 65/2017، وقانون المفقودين والمخفيين قسرًا رقم 105/2018.
ثم تناول المجلس الدستوري المسألة من زاوية أوسع، فقرر أن كل فعل يشكّل جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية أو تعذيبًا أو اختفاءً قسريًا يُعتبر خارجًا عن نطاق العفو.
وهذا التحفظ التفسيري الملزم يكتسب أهمية خاصة لأنه لا يقتصر على إعادة ذكر أسماء الجرائم الواردة في القانون، بل يؤكد أن نطاق العفو يجب أن يُفسر بما ينسجم مع التزامات لبنان الدستورية والدولية.
وفي هذه المسائل، لا يجوز التعامل مع العفو باعتباره وسيلة لإغلاق كل ملف جزائي بصرف النظر عن طبيعة الأفعال المرتكبة. فالمجلس الدستوري أوضح أن التزامات لبنان الدولية تضع حدودًا على قدرة المشرّع على شمول بعض الانتهاكات بالعفو.
ومع ذلك، يجب التمييز بين القول إن نوعًا من الأفعال خارج نطاق العفو وبين إثبات أن الوقائع في ملف معين تشكل جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية أو تعذيبًا أو اختفاءً قسريًا. فالتكييف القانوني يتطلب فحص الوقائع والنصوص والأدلة، ولا يُحسم بمجرد إطلاق وصف عام على القضية.
سادسًا: ما أثر الاستثناء على حقوق الضحايا؟
لا يقتصر النقاش على مصير الدعوى العامة. فالضحايا قد تكون لهم حقوق شخصية ومدنية ناشئة عن الجريمة، وقد يطالبون بالتعويض عن أضرار مادية أو معنوية لحقت بهم.
وقد أكد المجلس الدستوري أن العفو العام يتعلق، من حيث الأصل، بالحق العام ولا يمحو الحقوق المدنية أو الشخصية الناشئة عن الجريمة. كما أبقت المادة الرابعة من القانون النظر في هذه الحقوق ضمن اختصاص المحاكم الجزائية أو المدنية أو الإدارية المختصة، بحسب طبيعة الدعوى والمرحلة التي بلغتها.
وفي الجرائم المستثناة من العفو، لا يُطرح أصلًا السؤال نفسه المتعلق بسقوط الدعوى العامة بسبب العفو، لأن القانون لا يشمل هذه الجرائم. لكن ذلك لا يعني أن كل مطالبة بالتعويض تُقبل تلقائيًا أو أن مقدار التعويض يصبح ثابتًا. تبقى الحقوق الشخصية خاضعة لشروطها القانونية ولإثبات الضرر والمسؤولية والسببية.
أما في الحالات التي تتداخل فيها الجريمة مع شروط المادة الثالثة، مثل القتل القصدي أو العمدي المقترن بالاغتصاب أو الاعتداء الجنسي أو غيرهما من الظروف المشددة المحددة، فيجب تطبيق الحكم الخاص بتخفيض العقوبة ضمن نطاقه، وعدم تعميمه على كل الجرائم الجنسية أو على جميع المستفيدين من القانون.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين ثلاثة مستويات: استثناء الجريمة من العفو، وتخفيض العقوبة في الحالات التي حددها القانون، وبقاء الحقوق الشخصية للمتضرر. فهذه مسائل مترابطة، لكنها ليست متطابقة.
سابعًا: ما الذي حسمه المجلس الدستوري، وما الذي بقي للقضاء؟
لم يلغِ المجلس الدستوري البند الثاني عشر من المادة الثانية، بل أبقى استثناءاته، وأكد في قراره أن بعض الجرائم الخطيرة يجب أن تبقى خارج نطاق العفو انسجامًا مع التزامات لبنان الدولية.
ويمكن تلخيص ما يحكم هذه المسألة في ثلاث قواعد:
القاعدة الأولى: الجرائم التي استثناها البند الثاني عشر، ومنها الاغتصاب وسفاح القربى والاتجار بالأشخاص والعنف الأسري والاعتداء الجنسي على القُصّر، لا يشملها العفو العام وفق النص.
القاعدة الثانية: كل فعل يشكل جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية أو تعذيبًا أو اختفاءً قسريًا خارج عن نطاق العفو، وفق التحفظ التفسيري الملزم الذي أقره المجلس الدستوري.
القاعدة الثالثة: تحديد ما إذا كانت الوقائع في قضية بعينها تدخل ضمن إحدى هذه الجرائم يظل مسألة قانونية وقضائية. فاستثناء الجريمة من العفو لا يساوي إدانة المتهم، ولا يلغي ضرورة احترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.
بهذا المعنى، رسم المجلس الدستوري حدًا واضحًا بين سلطة المشرّع في منح العفو وبين التزامات الدولة في ملاحقة الجرائم التي لا يجوز شمولها به. لكنه لم يحلّ محل القضاء في تحديد الوقائع والمسؤوليات في الملفات الفردية.
استثناء صريح للجرائم الخطيرة من دون اختصار المسار القضائي
يُظهر قانون العفو العام رقم 70 وقرار المجلس الدستوري رقم 12 أن الجرائم الجنسية والاتجار بالأشخاص والعنف الأسري والتعذيب والاختفاء القسري لا يمكن التعامل معها باعتبارها جرائم مشمولة بالعفو لمجرد وقوعها قبل التاريخ المحدد في القانون.
فالمادة الثانية استثنت فئات واضحة من هذه الجرائم، فيما أكد المجلس الدستوري أن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتعذيب والاختفاء القسري خارج نطاق العفو، انسجامًا مع التزامات لبنان الدولية.
لكن هذه النتيجة لا تعني أن كل اتهام يندرج تلقائيًا ضمن الاستثناء، ولا أن الاستثناء يثبت المسؤولية الجزائية. لا بد من تحديد الوصف القانوني للوقائع، وفحص عناصر الجريمة، واحترام الإجراءات القضائية.
والفارق الأساسي أن العفو قد ينهي الملاحقة الجزائية في الجرائم التي يشملها القانون، لكنه لا يستطيع أن يتجاوز الاستثناءات التي أقرها المشرّع أو التحفظات الملزمة التي وضعها المجلس الدستوري. وفي الملفات التي تمسّ السلامة الجسدية والكرامة والحرية، يبقى هذا التمييز ضروريًا لحماية حقوق الضحايا، من دون المساس بقرينة البراءة أو تجاوز دور القضاء.























































